القواعد القانونية الخاصة بتن&#

فاطمة براكين باحثة بمركز قانون الالتزامات والعقود كلية الحقوق فاس
المغرب لا يتوفر على قواعد قانونية خاصة بتنظيم قروض الاستهلاك

هل توجد قوانين تحمي المقترض من استغلال بعض شركات قروض الاستهلاك أم أن المقترض يجد نفسه ضحية لها؟

في هذا الحوار مع الباحثة فاطمة براكين من مركز قانون الالتزامات والعقود بكلية الحقوق فاس نحاول التعرف على الجوانب القانونية المنظمة لمجال قروض الاستهلاك.

س: هل يعتبر مجال قروض الاستهلاك مقننا بشكل يحمي الشخص الذي يطلب السلف؟

ج: لا شك أن توجه مجتمعاتنا اليوم نحو مجتمعات الاستهلاك وتطور أساليب الإشهار والتسويق وتفننها في حث الأفراد على الاستهلاك، أدى إلى كثرة اللجوء إلى الاستدانة والاقتراض. حتى أصبح ارتفاع مديونية الأفراد والأسر من المشاكل المستعصية التي تعاني منها مجتمعات اليوم، ومنها مجتمعنا المغربي بشكل لم يكن مألوفا من ذي قبل.

وصرنا نجد في كثير من الحالات أن أقساط الديون المستحقة الأداء على الفرد أو على الأسرة في نهاية كل شهر تفوق بكثير مجموع المداخيل المتوفرة لديهم. وقد ساهمت في هذه الظاهرة كثرة مؤسسات القرض وانتشارها الواسع وارتباطها المباشر أو غير المباشر بالعديد من شركات الإنتاج ومؤسسات البيع، وتبسيطها لمساطر الحصول على قروض الاستهلاك وتنافسها المحموم على استقطاب الزبناء. وإغرائهم بتسهيل طرق الأداء.

غير أنه في المقابل، وعلى المستوى القانوني لا يتوفر المغرب على أية قواعد قانونية خاصة تنظم وتقنن مجال قروض الاستهلاك بشكل يوفر حماية خاصة للمقترض المستهلك كما هو موجود في قوانين الاستهلاك الحديثة في العديد من الدول. وهذا باستثناء بعض الدوريات والنصوص التنظيمية الصادرة عن السلطات التنظيمية والإدارية المختصة، نذكر منها قرار وزير المالية رقم 97-155 الصادر في 20 يناير 1997 بتعيين الحد الأقصى للفوائد الاتفاقية المستحقة لمؤسسات الائتمان. ويبقى المرجع القانوني الأساسي في هذا المجال هو قانون الالتزامات والعقود، وخاصة الباب المتعلق بعقد القرض (الفصول من 870 إلى 878). وهذه النصوص لا توفر الحماية الضرورية للمستهلك المقترض الذي هو محفوف بمجموعة من المخاطر في وضعيته وعلاقته مع مؤسسات القرض، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

-  الإشهار المحرض والخالي من أية بيانات موضوعية.

-  تضمن العقد لمجموعة من الشروط التعسفية.

-  ارتفاع سعر الفائدة

-  عدم وجود مساطر قانونية للوقاية والمعالجة من مشكل المديونية المفرطة (surendettement).

س: كيف يحمي القانون الشخص أمام المشاكل التي قد تقع له مع مؤسسات قروض الاستهلاك ؟

ج: لا يأخذ القانون بعين الاعتبار عدم التكافؤ الواقعي والاقتصادي بين مؤسسة القرض بصفتها مقاولة تجارية تسعى إلى تحقيق الربح، وتملك سلطة المعرفة والمال في نفس الآن، وبين المستهلك الطرف الضعيف في العلاقة والمحاط بضغوط ضرورة تلبية حاجياته وحاجيات أسرته الاستهلاكية أو مواجهة أحداث غير متوقعة (مرض، سفر، حوادث أخرى ...). وأمام عدم توفرنا على قانون خاص بحماية المستهلك عموما وحماية المقترض خصوصا، يبقى العقد الذي يربط الطرفين والذي قامت بصياغة بنوده مؤسسة القرض بشكل محترف يؤمن مصالحها بالدرجة الأولى هو شريعة المتعاقدين والمرجع في حل كل نزاع بينهما. ويبقى المعول على القضاء من خلال تدخله في تفسير وتأويل بنود العقد لفائدة الطرف الضعيف واعتماده على نظرية الشروط التعسفية كما هي مكرسة في القوانين المقارنة الحديثة وإعماله لبعض القواعد العامة وتوظيفها من أجل حماية المقترض كمبدأ حسن النية وعدم التعسف في استعمال الحق ومبدأ العدالة التعاقدية أو التضامن العقدي ومبدأ الطرف الضعيف في العقد وغيرها ..

س: هل يتضمن مشروع القانون المغربي لحماية المستهلك الذي يُناقش أمورا تتعلق بحماية الأشخاص المقترضين من مؤسسات قروض الاستهلاك؟

ج: سنتحدث بالأساس عن مقترح قانون حماية المستهلك الذي شارك مركز قانون الالتزامات والعقود بكلية الحقوق بفاس في إعداده إلى جانب فعاليات جمعية أطلس سايس والذي عقدت لجنة القطاعات المنتجة بمجلس النواب دورة عمل يوم الخميس فاتح يونيو 2006 خصصت أساسا لتقديمه ومناقشته. لقد أولى المقترح أهمية استثنائية لقرض الاستهلاك بما فيه القرض العقاري. وخصه بكتاب كامل تحت عنوان: قرض الاستهلاك (المواد من 84 إلى 144 ) ونظمه من منظور قوانين الاستهلاك الحديثة مستفيدا في ذلك من أحدث المقتضيات القانونية المعمول بها في القوانين المقارنة الحديثة المنظمة لهذا المجال.

وقد اعتبر المقترح أن فكرة الوقاية من الوصول إلى وضعية المديونية المفرطة غاية في الأهمية لأنها تجنب المستهلك السقوط في حالة الإعسار وتمنحه آجالا للتروي والتفكير ومراجعة التصرفات التي ستؤدي به إلى اقتراض قد لا تتحمله ذمته المالية. وهكذا فأول حاجز ناري تلقيه القوانين الحديثة لحماية المستهلك لتحقيق هذه الغاية هو منح المستهلك-المقترض أجلا للتفكير قبل الإبرام النهائي لعقد القرض، وذلك على الشكل الآتي:

-  في حالة قروض الاستهلاك مثلا يتمتع المقترض بأجل سبعة أيام للتراجع عن القرض.

-  في حالة القروض العقارية لا يقبل المقترض العرض بشكل نهائي إلا بعد مرور أجل عشرة أيام من تخويله القرض.

والغاية من منح هذه الآجال كما تقدم هي منح المقترض مهلة للتفكير حول حجم الالتزام الذي سيُقدم عليه ومدى قدرته على تحمله. وتعزيزا لهذه التدابير عملت فرنسا مثلا على خلق سجل وطني لمشاكل الأداء المتعلقة بالمديونية الفردية يسيّره بنك فرنسا، ويحصي المعطيات والمشاكل المتعلقة بتسديدات القروض الممنوحة للأفراد الذاتيين لحاجيات غير مهنية ليزود مؤسسات القرض بمعلومات حول المقترضين الذين يعرفون صعوبات مالية.

ويتعين في هذا السياق التشديد على مسؤولية مؤسسات القرض عن منح قروض لأفراد دون التأكد من المقدرة الفعلية لهؤلاء على التسديد ودون التأكد من مدى وجود قروض وتحملات أخرى تقع على عاتق طالب القرض. ويذهب الاجتهاد الحديث لمحكمة النقض الفرنسية إلى اعتبار البنكي (le banquier) الذي يمنح قرضا لمقترض بالرغم من أن مديونيته المرتفعة ظاهرة قد ارتكب خطأ من شأنه أن يقيم مسؤوليته المدنية. وهذا يعني أنه يمكن أن يُطالَب بأداء التعويض عن الضرر المترتب عن هذا الخطأ.

وفي هذا الإطار نجد من المقتضيات الجديدة التي أتى بها المقترح هي ضرورة أن يسبق كل عقد قرض عرض مسبق (offre préalable) يمكن المقبل على الاقتراض من تقدير مدى وحجم الالتزامات المالية التي سيتحملها، وكذا شروط تنفيذها، وتقدير ما إذا كان هو في حاجة حقيقية إلى هذا القرض.

ويتعين أن يكون هذا العرض مصاغا بطريقة واضحة لا لبس فيها ولا غموض وأن يحدد بالوضوح اللازم مبلغ القرض وكيفية تمكين المقترض منه ومبلغ الأقساط ومراحل الأداء والقيمة الإجمالية للقرض ونسب الفائدة وتكاليفها الحقيقية والكلية، وكذا الإشارة إلى حق الأداء المسبق (paiement anticipé)، بالإضافة إلى مصاريف الملف وواجبات التأمين وكل التكاليف الأخرى.

ونص المقترح على ضرورة التزام مؤسسة القرض بالإبقاء على العرض مدة لا تقل عن 15 يوما يتخذ خلالها المقترض قراره بإمضاء العقد أو عدمه بعد تفكير وتروي.

وتتمة لهذه المقتضيات نصّ المقترح على حق الرجوع في العقد (droit de rétractation) وهو حق يمنح للمقترض حق التحرر من التزامه خلال مدة 7 أيام من توقيع على العقد وهو حق منصوص عليه في كل قوانين الاستهلاك الحديثة لفائدة المستهلك في بعض عقود الاستهلاك ومنها عقد القرض.

إن هذه المقتضيات القانونية المقترحة تشكل ولا شك تجديدا هاما على المستوى القانوني لفائدة المستهلك المقترض. حيث نجد فيه توظيفا جديدا للشكلية من أجل منح فرصة للتفكير والتروي ودراسة بنود العقد وحماية الإرادة من أي تسرع.

س: كيف يمكننا الاستفادة من تجارب الدول الأخرى (فرنسا مثلا)؟

ج: لقد عمل المقترح القانون المشار إليه أعلاه على الاستفادة من أحدث المقتضيات القانونية الموجودة في الدول المتوفرة على قوانين استهلاك حديثة، ليس فقط في موضوع القرض وإنما في كل مواضيع قانون الاستهلاك. ولقد استفاد المقترح في تنظيمه لقروض الاستهلاك من تجربة القانون الفرنسي والبلجيكي والكندي بشكل جعله مستجيبا لشروط الملاءمة مع القوانين الدولية في هذا المجال.

س: ما هي المسؤولية التي تتحمّلها مؤسسات قروض الاستهلاك التي تقدم القروض لأشخاص لا يستطيعون ردّها؟ ج: للأسف الشديد لا توجد مقتضيات قانونية تنظم هذه المسؤولية، مع أن القوانين المقارنة تشدد على مسؤولية مؤسسات القرض في منح قروض لأفراد دون التأكد من المقدرة الفعلية لهؤلاء على التسديد، ودون التأكد من مدى وجود قروض وتحملات أخرى تقع على عاتق طالب القرض. ويذهب الاجتهاد الحديث لمحكمة النقض الفرنسية كما أشرنا سالفا إلى اعتبار البنكي الذي يمنح قرضا لمقترض بالرغم من أن مديونيته المرتفعة ظاهرة قد ارتكب خطأ من شأنه أن يقيم مسؤوليته المدنية. وهذا يعني أنه يمكن أن يُطالَب بأداء التعويض عن الضرر المترتب عن هذا الخطأ . ونعتقد أن هذا الحل يجب الأخذ به في المغرب مع إدخال جهات أخرى في تحمل هذه المسؤولية كالجهات المسؤولة عن الإذن بالاقتطاع من المنبع وإنجاز هذا الاقتطاع لفائدة المؤسسات المقرضة مع علمها ووقوفها على الوضعية الحرجة لأجر المقترض وعدم تحمله لأي اقتطاع إضافي.

غير أنه قبل التفكير في إعمال هذه المسؤولية يجب التفكير في إعداد سجل عام ومركزي بوضعية مديونية الأفراد والأسر يمكن الولوج إلى معطياته بشكل معلوماتي من طرف مؤسسات القرض، بحيث لا توافق هذه الأخيرة على منح أي قرض إلا بعد التأكد عن طريق هذا السجل على المقدرة الفعلية للمقترض على تحمل أي اقتراض أو اقتراض جديد.

س: هل توجد حالات لأشخاص وجدوا مشاكل مع مؤسسات قروض الاستهلاك؟ وكيفت تمت معالجتها؟

ج: المشاكل مع مؤسسات القرض كثيرة ومتعددة، وللأسف الشديد لا يصل معظمها إلى القضاء خاصة من جانب المقترض التي تعوزه الإمكانات المادية والمعنوية لمقاضاة مؤسسات الائتمان. لذلك تتمكن مؤسسات القرض في النهاية من فرض وجهة نظرها في المشكل أو اللجوء إلى تحقيق الضمانات (العينية أو الشخصية) التي تشترطها عادة لمنح القرض.

المرجع : جريدة العلم

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site